|
بقلم:
يحيى الصوفي
قصة قصيرة ( حكايات عن خريف العمر -2- )
عرفته دبلوماسيا خدم بلاده في ردهات الأمم المتحدة لأكثر من خمسين عاما، كان
يمر بي بحكم جيرته لكي يفضي إلي ببعض ما يشغل قلبه وعقله، وإذا ما تردد في
الدخول إلي تهذبا أصر أن يريني نفسه لكي يلقي علي التحية من خلف الزجاج وهو
يرافقها بابتسامته الرزينة.
عرفته متقد الذكاء قوي العزيمة فصيح اللسان فلا تغلبه الأعوام الطويلة في
الغربة من الجمع مع أي من المفردات الأعجمية للغته العربية الفصحى التي يحب أن
يتحدث بها، يصر على إظهار حبه وتفانيه للعمل الذي كلف به ولا يتردد من الإشهار
بالوفاء لرئيسه وإعجابه بحكمته والتغني بمزاياه النادرة في السياسة بالرغم من
إبعاده إياه عنها وانتدابه للعمل في الهيئة الدولية بعد أن كان من اشد المقربين
إليه، هو لا يعتبرها قلة وفاء من معلمه بل هي ليست أكثر من ثمن لصراعات داخلية
وتصفية حسابات من حوله ومقربيه.
عرفته حاملا للهم الإنساني العام والقضايا العربية فلا يتردد من ملاحقة كل من
يسيء إلى سمعتها أو يتهجم على تاريخها، فأراه يدخل إلي وقد حمل صحيفته منددا
بمقال قرأه هنا ومشيرا إلى رد عليه -قد خطه من قلبه ووجدانه وبحماس- هناك... لم
تلينه كل الإحباطات التي واجهها عمن يدافع عنهم، وفي مرات أخرى لا يخفي امتعاضه
مما يواجهه من موظف إحدى السفارات العربية يناقشه (الكمسيون) الخاص به إذا ما
قبل بتمرير صفقته وقدمه على غيره. ؟ ( هل يعقل هذا أين نعيش نحن في سوق
للماشية.؟... لقد سحبت عرضي بالمناقصة، كنت احلم بالمساهمة في عمل أتبرع بجزء
من وقتي له بدون مقابل.؟ )
لم اعرفه إلا قويا... صارما... وابتسامته التي بالكاد تكشف عن بعض أسنانه لا
توحي بوجود رجل هش رقيق الجانب تضعفه الأحداث وتنال من عزيمته النوائب.
إلا في ذاك النهار رأيته يحاول أن يطال بنظراته القلقة الحزينة أحدا ما بين
الجموع الغفيرة التي ملئت صالتي في حفل للاستقبال أقمته بمناسبة افتتاح جديد
لعملي، اقتربت منه مرحبا وأنا أقدمه لبعض ضيوفي ليفاجئني بعد رده الدبلوماسي
اللطيف باعتذاره قائلا: ( سامحني يا أخي ولكن أفضل أن لا اظهر كثيرا.!؟... دعني
ارتوي بهدوء من عطشي برؤية حبيب وغال لم اجتمع به منذ سنتين.؟؟؟ )
ثم تابع وقد فاضت عينيه بلؤلؤة من دمع دافئ تشبه تلك التي تنساب على جوانب شمعة
حزينة: أترى ذاك الشاب الوسيم، هاك الطويل ذو البذلة الزرقاء وشعره الأسود
الداكن، الشاب الذي يتحدث بهدوء وتهذيب، انظر كم هو رائع وعلامات النجاح -تضيف
إلى جاذبيته وسحر عينيه المليئة بدفء الشرق- بادية عليه.!
لم تستطع صفاء بشرة والدته السويسرية البيضاء ولا شعرها الأشقر كسنابل القمح
الناضجة ولا عيونها التي تشبه زرقة المحيط الصافي أن يظللوا سحنته العربية التي
وهبها الله له. !!!
ثم استدرك وبشيء من الفخر المصحوب بالأسى: انه ابني.؟؟؟... انه ولدي البكر.؟ !
دعني أرجوك أن أكحل عيني برؤيته إنني لم أراه لأكثر من عامين وهو يسكن الطرف
الآخر من المدينة، نسي أن له أب،... نسي انه ينتمي للونه ولغته وتاريخه الحافل
بالمآثر العظيمة،... وبأنه ومهما فعل فلن يستطيع إخفاء ما تصرح به ساقيه ولا
خفقات قلبه ولا حركات يديه.؟ !
ثم تابع وقد بدا عليه الإرهاق وظهرت مع انسياب العرق على جبهته العريضة خطوط من
زمن ولى: اسمح لي يا صديقي أن ارتوي من هذه اللحظات لكي أأخذ زادي من هذه
الطلعة وهذه الهيبة، ما شاء الله.!!!... ما شاء الله... انه يذكرني بنفسي.
ودون أن يسمح لي بأي تعليق وأنا استمع إليه مشدوها قال وهو يرتجف من الألم: لا
ولد له ولا يستطيع أن يعرف قيمته ولا مقدار غلاوته... انظر لقد لمحني ولم يأبه
لي... تصرف وكأنه لم يراني.؟!... أنني لن اغضب منه...أنني لن أشكو عنه...هل
يضام الفرد منا إذا ما أوجعه فؤاده أم يداويه.؟ انه بعض مني وقطعة من فؤادي.
وغادر وقد ظهر عليه الكبر يتمهل بمشيته ويتحذر بعد أن كان يمشي مختالا كأنه لم
ينل منه القدر.
---------------------------
يحيى الصوفي / جنيف في 13 /06 / 2004
أقرأ مع
التعليق (
أنه ولدي البكر
)
 
تعليقات حول القصة من مصادر مختلفة
|
سناء: إشراف عام - أضيفت بتاريخ: 21/6/2004 - منتدى المعهد
العربي
سيد يحيى...جميلة جدا مقتطفاتك...أتمتع بقراءتها...وهي تعكس حالنا...كثير
منا من نسي والدية وأهله...كل الود. |
|
نور الأدب: إشراف عام - أضيفت بتاريخ: 15/ 8/2004 - منتدى
السياسي
لكم نحن حاجة إلى نقوشك على خريف العمر أيها الكريم / دمت بود؛ |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
| |
 
|