الصفحة الرئيسية | المحتويات | بحث | مواقع | الكاتب | الكتاب الذهبي     

  يهتم الموقع بنشر اعمال الأديب: يحيى الصوفي من رواية وقصة ومسرح وشعر ونثر وخاطرة ومقالة وكذلك استضافة اعمال ضيوفه

 

 

 

السنة الخامسة

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 27-04-08

 

نارين   (الحب الضائع)

اللقاء الأول

رواية بقلم: يحيى الصوفي

الجزء الأول: الفصّل الخامس

 

 

لم تتمالك نارين نفسها من الفرح وقد حطت رحالها برفقة أختها هند في بيت صديقتها هناء، لتحظى بذلك بيوم عطلة ممتع وجميل برفقتها في مزرعة خالها الموعودة.

 

ها أنا ذا أخيرا مع أهله... تنهدت نارين وهي تتململ على كرسيها وقد أطلت برأسها من على الشرفة ترمق الشارع منتظرة كغيرها قدوم خالها زاهر بسيارته المغلقة ليقلهم جميعهم إلى مزرعته ...

وكأنها تحدث نفسها: (من يصدق بان هذا الشاب زاهر المليونير الصغير كما يسمونه ينتمي إلى هذه العائلة الوديعة البسيطة المفعمة بالمحبة والابتهاج... ليتني أستطيع أن أكون فردا من هذه العائلة الرائعة...ليتني...!.)

وبينما كانت شاردة في تأملاتها نكزتها أختها هند وهي تقول:

-هيا... لقد أتى... هيا.

 

نزلت نارين كجميع أفراد العائلة الطوابق الثلاثة قفزا وكأنها تتبارى إلى الوصول قبل الجميع لتجد نفسها وجها لوجه أمام زاهر... شاب وسيم وهادئ... يرحب بجميع أفراد عائلته بدون استثناء كبيرا كان أم صغيرا... وبمنتهى الوداعة كان يساعد الجميع في نقل حاجياتهم إلى داخل السيارة.

 

ولأنها لا ترغب أن يبدو عليها الحرج وقد تسمرت في مكانها وهي تسترق النظر إليه من طرف عينيها بذهول... اقتربت من المقعد الأمامي من السيارة لتلقي التحية على والدته وولديه وكأنها على علاقة قديمة وجيدة معهم... تبادلت التحيات وكلمات المجاملة بمنتهى السهولة، لتخفي بعضا من الاضطراب الذي أصابها... فلقد كانت تتخيله رزينا أكثر من هذا ورسميا واكبر سنا... تخيلته ربما كأخوالها صارما وجديا وهي في ذلك لديها الحق... أليس هو خال أيضا...!... ولم تكن لتتصور ولا للحظة واحدة بأنها ستجده هكذا بسيطا ووديعا... يلبس جينز ازرق وقميص اصفر من لون الشمس ويخفي عينيه بنظارات "ريبان" الشهيرة...!...هي لم تكتشف من ملامح وجهه أكثر من ابتسامته التي تكشفت عن أسنان بيضاء لامعة وهذه النظارات... كان يبدو لها كممثلين السينما... لا يشبه شباب هذه البلد... بل لقد كان مألوفا جدا لها ولهذا فهي استطاعت أن تتغلب بسهولة على الحرج الذي وجدت نفسها فيه وأخذت تشارك وكأي فرد من أفراد العائلة بترتيب الحوائج بالسيارة...ومما زادها اطمئنانا ترحيبه الشديد بها وبأختها هند وكأنه يعرفهم مسبقا ولم يعلق بتاتا على وجودهم مع العائلة أو انه ربما لا يعرف كل أفراد عائلته الكبيرة وظن أنهن منها بكل بساطة، أم انه معتاد على العائلة وضيوفهم... وكان يحرص على الجميع وكأنهم أولاده وهو يحذرهم وبمنتهى الهدوء بالابتعاد عن الباب لأنه سيغلقه وسينطلق..!

 

وما أن انطلقت السيارة تخترق شوارع المدينة باتجاه البساتين الحدود الطبيعية للمدينة، حتى بدأ الجميع بالتصفيق والغناء مشاركين بذلك أصوات الموسيقى المنبعثة من جهاز التسجيل في السيارة، فأدخلت كل هذا الهيصة والمرح سرورا عظيما إلى قلبها، ولكي لا تبدو غريبة عنهم فلقد شاركتهم تصفيقهم وغنائهم... حتى أنها لم تتوانى من إخراج "كاسيت" لأحد مطربيها المفضلين وهي تطلب مازحة أن يستمع الجميع إليه!. وقد سرها أن يتقبله زاهر منها شاكرا دون تردد، بل أبدى إعجابه بالمطرب وبصوته وبموسيقاه... وكان هذا بمثابة المكافئة التي كنت تنتظرها لتبدو مطمئنه وسعيدة وتشعر بنفسها حقا وكأنها كأي فرد من أفراد العائلة، فهذا يشجعها أكثر لكي تكون طبيعية جدا معهم.

 

   

 

 

لم تدم رحلتهم أكثر من عشر دقائق كانوا بالنسبة لها ثوان قليلة... وكانت تتمنى لو أن تطول أكثر فأكثر... ربما النهار كله!.

 

انتظر الجميع داخل السيارة ريثما ينزل زاهر ليفتح باب المزرعة الخارجي بنفسه ويسوق بهم إلى الداخل... حيث بدؤوا بالتدفق كل مع حوائجه. وذكرها هذا المنظر برحلات المدرسة عندما كانت بالإعدادية.

 

نزلت نارين مع أختها هند لكي تتبع الجميع نحو الحديقة وكانت تأمل عند وصولها حيث جلس الجميع أن تراه هناك فلم تجده...فكان يبدو عليها وكأنها قد أضاعت شيئا كانت تملكه... ثم جالت بنظرها الحديقة الغناء ببساطها الأخضر وأزهارها الجميلة والمسبح الصغير الذي يحتل إحدى أطرافها فلم تعثر عليه. وخيل إليها لوهلة بأنها رأت هذه الحديقة وبأنها قد زارتها يوما ما وجلست بها !. وكان ينتابها شعورا غريبا بأنها مألوفة لديها !. ولكي لا تلفت الأنظار إليها صاحت مازحة وهي توجه الحديث لهناء:

-هذا هو المسبح الذي سنسبح به؟.

 

هناء وهي تضحك:

-لا... وأشارت إلى الدرج المؤدي لأعلى "التيراس" والمسبح الكبير.

نارين صاعدة الدرج وهي تصيح من الفرح:

-ياي... هيا... هيا للسباحة

-لنأكل أولا.

-لا أنا أريد أن أسبح أولا...  هلا تدلينني على "المشلح" لأبدل ثيابي.

 

امتثلت هناء لطلب صديقتها وهي تقول:

-كيف وجدت خالي... أعجبك؟!.

 

نارين وقد امتقع وجهها بحمرة الخجل وهي تحاول أن تجيبها متصنعة عدم فهمها للسؤال ومدعية البلاهة:

-أين هو؟... هل أتى!؟... إذا أنا لا أستطيع السباحة!.

 

هناء وهي تضحك:

-لا لقد ذهب ليتفقد أشجار الفاكهة... فهو يعشقها ولن يأتي قبل ساعتين أو ثلاثة... ولكي لا تسبب لها حرجا أكثر تصنعت هي الأخرى بأنها اكتفت بجوابها فتركتها لتغير ملابسها وذهبت لتلتحق بالآخرين.

 

كان قد مضى قرابة الساعتين على غياب زاهر داخل المزرعة يتفقد أشجار الفاكهة فيقطف من كل نوع من الأنواع المتوفرة في فصل الصيف كالتفاح والأجاص والدراق وكذلك العنب وكما هي عادته عندما تجتمع عائلته... وكان يهتم بعد قطافها بغسلها وترتيبها في صوان كبيرة ويحضرها بنفسه. ولكي لا يسبب الحرج لضيوفه صاح مناديا هناء لتأخذ الفاكهة... فلم تتوانى هذه الأخيرة من تلبية طلبه وهي تقول:

-لا يوجد احد تفضل خالي لتجلس معنا... والدتك تريد أن تراك.

-وضيوفك ؟.

-أنهم يسبحون في الأعلى... لن تراهم ؟.

-وأنت الم تسبحي؟.

-لقد سبحت مع الجميع وانتهيت... لقد كانت المياه باردة جدا... ومنعشة !.

-والأولاد أين هم؟.

هناء وهي تضحك:

-مع ضيوفي يسبحون منذ تركتنا وهم في الماء لا يريدون الخروج... إنهم يستمتعون جدا باللعب معهم... وكأنها أرادت أن تشير إلى شيء مهم... صديقتي نارين تهوى اللعب في الماء ويبدو أنها استولت على اهتمامهم فهم يلعبون معها ويلازمونها كظلها وكأنهم على معرفة قديمة... لا يفارق أحداهما الآخر...

وهي تصر قالت:

-تفضل هيا.

 

 

وبينما كان يهم بالعبور بجانب جدار المسبح باتجاه الحديقة لاحظ نارين وقد تخفت خلف منشفة كبيرة وهي تهم بالقفز إلى الماء، فبدا عليه بعض من الضيق والحرج... لأنه لا يحب أن يلعب دور المتطفل الذي يضايق ضيوفه على حين غرة... ومع ذلك لم ينتبه إلى الغاية من إصرار العائلة له للانضمام إليهم... وما أن وصلهم حتى حياهم جميعا، فنادته والدته وهي تبتسم لأن يجلس إلى قربها.

 

فانقاد إليها طائعا وهو يقول والابتسامة لا تفارق وجهه:

-كيف الحال والدتي هل أنت مرتاحة؟.

-أجل الحمد لله بني... طالما أنت مبسوط ومرتاح...

ثم أضافت:

-أرأيت تلك الفتاة... صديقة هناء.

-اجل ما بها ؟.

 

انظر إليها كيف هي سعيدة مع ولديك...تلاعبهم ... إنها طفلة رائعة ومنذ أكثر من ساعتين وهم يلعبون ويسبحون سويا... الق نظرة عليها قبل أن تأتي.

-كيف هذا عيب !... أنا لا أريد أن أحرجها أو أن أضايقها وهي أمانة عندنا !؟.

-ليس هذا... أريد أن اعرف إن هي أعجبتك... انظر إليها... هاهي تصعد ثانية وتهم بالقفز في الماء.

 

زاهر وهو يلقي نظرة خاطفة:

-أرجوك والدتي إنها طفلة...!؟

 

-هكذا تبدو... لأنها كثيرة الحركة ومليئة بالحيوية... إنها تذكرني بنفسي عندما كنت في عمرها... وهي ليست صغيرة كما تظن... إنها في العشرين من العمر... وأظن وقد اتفقت مع ولديك وأحبوها فهي ستكون رفيقة وزوجة مناسبة... ما رأيك...؟

-ولكن نحن على موعد مع أهل الفتاة التي زرتها منذ أسبوع، وهي صغيرة ومتعلمة ورائعة الجمال... وقد أشعرتني باهتمام خاص بي... وانتبهت إلى أنها كانت تصر على أهلها بالموافقة السريعة وهي فرصة جيدة أن أجد فتاة متحمسة لي لهذا الحد...!؟

-ولكن لم ترى ولديك ولم تتعرف إليهم بعد... واعرف تماما بان موضوعهم يأتي بالمقدمة بالنسبة لك... ولطالما بدلت رأيك بأكثر من خطيبة لمجرد انك لم تشعر بالمحبة والوئام يغمر قلوبهم... أليس كذلك.

   

 

ثم تابعت دون أن تتيح لزاهر العثور علي عذر متصنعة عدم سماعه:

-وهي هذه معنا الآن وقد بدأت من حيث تحب... بالأولاد... ويبدو أنهم مولعون جدا بها فهي تلاعبهم كإخوتها وبدون تكلف.

 

-اجل خالي... وافق أرجوك... دعنا نفرح بك... فهي لطيفة جدا وحسب طلبك... دعنا نعرفكم ببعض... فلا شيء يلزمك... وهذه مناسبة جيدة الآن... كونها معنا.

-أليست هي الفتاة نفسها التي ذكرتم لي إياها منذ أكثر من عام... أظن بان والديها مطلقين... لا... لا... هذا خطأ فادح... أنا ابحث عن أهل لي وليس زوجة فقط... أهل يهتمون بي وبعائلتي ويغمرونني بالحنان ويعوضون علي سنين غربتي... لا... انسي الموضوع.

 

هناء مقاطعة:

-على العكس سيكون لك بدل بيت أحمى واحد بيتين... تسعد بهم!.

 

والدته مقاطعة وقد بدا عليها الغضب خوفا من أن تخسر ما قد بدأت به مع زاهر:

-لقد أخبرتكم أكثر من مرة بان لا تقاطعونني عندما أتحدث... ثم عادت موجهة الحديث إلى زاهر... تعرف إليها فقط فان لم تعجبك فكأن شيء لم يكن.

-لقد تذكرتها... هي ابنة الدكتور "شلهوب" أليس كذلك...؟.

 

هناء متدخلة مرة ثانية وكان تعليق خالها بداية موافقته:

-نعم هي... إنها ابنة عم خطيبتك السابقة.

 

زاهر بشيء من التوتر:

-لا... لقد أخبرتكم رأيي بالأمر... لا أريد أن اسمع بهم.

 

والدته محتدة وموجهة الحديث لهناء:

-قلت لك ألا تتدخلي بالأمر ولا تقاطعي حديثي... لقد بدا راضيا منذ قليل... ومن ثم اذهبي لتلتحقي بضيوفك... يبدو أنهم خرجوا من الماء... ربما يحتاجونك.

وهي تغمزها:

-هيا قومي إنها لابد تبحث عنك.

 

ثم تابعت موجهة الحديث لزاهر:

-الأمر ليس كما تظنه حبيبي، وعائلة الدكتور "شلهوب" تختلف تماما عن عائلة أخاه وهو أب متعلم وهادئ جدا... لم نراه إلا مبتسما ومن ثم هو متزوج من امرأة متفقة تماما مع أولاده فهم يحبونها كثيرا ويتسابقون فيما بينهم للعناية بها وتمشيط شعرها وهي أكثر من أم بالنسبة لهن فهن يحبونها كثيرا... أما عن والدتهن فيبدو وبعد إن عادت من المكسيك بعد زواجها الفاشل هناك قد تابت إلى الله وهي تتوشح الحجاب وتلبس الشراب السميك وتصلي وتقيم الليل ... وكما علمت فهي مريضة قليلا ولا احد يهتم لأمرها... ومن ثم هذا خير لك لأنك بذلك ستلقى العناية من بيتين... ولك بذلك عم وحماتين... وستدلل كثيرا.

   

زاهر وقد أصغى إلى والدته بشيء من الشرود:

-لم لا سأتعرف إليها... ماذا سأخسر... لاشيء ملزم لي بتاتا. ولكن هل هي على علم بأي شيء.

 

-نعم لقد تحدثت مع هناء... ويبدو أنها مغرمة بك وتريدك...حتى قبل أن تراك... وهاهي تغرم بطفليك... ماذا تريد أكثر... هي أم أهلها. ثم تابعت: عاملها بلطف أرجوك...هاهي قادمة...ولا تخجلني...

ثم استتلت وأساريرها تنم عن انتصار كبير... وهي تستقبل نارين:

-أهلا... أهلا حبيبتي...

وهي تقبلها:

-نعيما... تعالي إلى جانبي... تعالي !...

 

نارين وقد خانتها شجاعتها وشعرت حتى أنها لا تقوى على الوقوف... وقد وجدت بترحيب والدته شيئا من الموافقة على أمر تدبروه جيدا:

-سآتي حالما انتهي...

وهي تحاول إخفاء ارتباكها وتوجه الحديث إلى هناء:

-هل لديك شيء من كريم "النيفيا" من فضلك؟.

ثم تابعت وقد شعرت بأنها استعادت بعض من شجاعتها وهدوئها ووجدت منفذا للهروب من هذه المفاجئة:

-هيا سأتبعك لتحضرينها... ثم ذهبت خلف هناء وهي تقفز كعادتها.

 

-أرأيت كم هي وديعة وواثقة من نفسها وهي تحبنا كثيرا. ونحن نعرفها ونعرف أهلها منذ زمن بعيد...تربطنا بهم علاقة قربى.

 

لم يشأ زاهر أن يضايق والدته بسلبيته في هكذا أمر وهو يعرف جيدا بأنها آخر من يمكن أن يؤذيه... وبأنه يثق ثقة عمياء بمحبتها له ورغبتها بان تراه سعيدا ومنعما بالهدوء والسكينه. ولهذا فلقد حركت كلمات والدته فيه حبه المعروف للاستطلاع عن الفتاة التي يمكن أن يقترن بها يوما... ودون أن يثير أي كان أبدى بعض من الاهتمام بنارين. فبدأ يتبعها بنظراته... ويترصد حركاتها، فلم يجد بها أكثر من فتاة عادية جدا ولا يبدو عليها بأنها مضطربة من هكذا لقاء، بل على العكس بدت واثقة من نفسها... اجتماعية ولطيفة وتتصرف وكأنها فرد من العائلة، حتى إنها أعطت الانطباع لزاهر بأنه غير موجود بتاتا، أم هو موجود ولكن على معرفة مسبقة بها فلا شيء يثير الفضول أو الاستغراب!؟... لقد نجحت إذا في أن تثير اهتمامه دون أن تشعر بأنها تهتم به. وهذا عكس ما قد سمعه منذ قليل من والدته بأنها مغرمة به وتريده !.

 

وتساءل: (لابد إن والدتي تبالغ بالأمر فانا لم اشعر بتاتا بأنها مهتمة بي ...ثم تابع... على كل حال إذا كانت حقا على علم بأنني قد ارغب بالتعرف إليها لماذا إذا لم الحظ عليها إي توتر أو خجل كما كان يحدث مع كل الفتيات اللواتي التقيت بهن... هل يا ترى لم اثر اهتمامها بما يكفي؟... فلقد عبرت من أمامي وكأنني لست موجودا أصلا... حتى أنها لم تلق التحية!!!... ما هذه اللعبة التي يلعبونها بي ؟... لابد أن والدتي تريد بذلك إثارتي ومعرفة ردة فعلي قبل أن يفاتحاها بالأمر... أو ربما أرادوا من وراء تعريفيهم لي بها أن يضعونني أمام الأمر الواقع ليروا كيف سأتصرف ؟!... اجل...وما مجيئها المزرعة في هذا اليوم بالذات بمجرد صدفه بل هو أمر مدبر وفخ نصب لي ووقعت فيه بسهولة...)

ثم أدرك وكأنه عثر على جواب: (آه...اجل ... لقد نصبوا فخا لي وها أنا ذا أسير لعبتهم... وألا لماذا اهتم هكذا بها... نعم... أنني بدأت أفكر بكل هذه المسالة هو انتصار لهم. ولهذا علي بالإسراع بصرف اهتمامي الواضح والسريع بها إلى موضوع آخر... نعم ... موضوع آخر... أي موضوع كان، حتى لا أصبح مدعاة للسخرية، فأنا عاجز حتى من النظر إليهم أو توجيه الحديث لهم، لابد وإنهم انتبهوا لشرودي ذاك ولذلك فمن الأحسن أن أتابع قليلا هكذا.)

 

    

 

وكأنه يتأمل بأمر ما تساءل مع نفسه: (لما لا ابدأ بالسؤال عن الأولاد... ومن ثم أتفقد المسبح وبحيرة السمك... وأنظف أحواض الورد من الأعشاب... هكذا اصرف أنظارهم عني واستعيد بعضا من أنفاسي !!؟.)

 

ودون أن ينبس بأي حرف ناد على ولديه عامر ونادر:

-عامر... نادر... أين انتم تعالوا... هيا لنتفقد حوض السمك...

واتجه يسبقهم إلى بحيرة السمك وقد اخذ بيده بعض من فتاة الخبز لإطعامهم... وعند بحيرة السمك جلس يتأمل الأسماك الملونة تنساب في الماء بمنتهى الهدوء. وما أن وضع إصبعه وبدأ يحركها حتى تهافتت تلك السمكات وبمنتهى الأمان إليها لتلعقها كالعادة، فأخذ يداعبها وهو يحرك قطع الخبز بإصبعه يمينا وشمالا بشيء من المتعة والسرور... من ثم بدأ "بالتفقيش" بكلتا إصبعيه ليثيرها أكثر... وبنفس الوقت كان ينظر خلسة يمينا ويسارا وكأنه يستطلع طريقا للفرار... فوجد الجميع منشغلين بتناول الفاكهة وبتبادل النكات والأحاديث الظريفة، فتنفس الصعداء وتوجه إلى داخل المزرعة حيث أشجار الفاكهة ليتفقدها... وبينما هو يتحرى أشجاره تفاجأ بولديه يركضان إليه...

فصاح:

-هه... ماذا تفعلان هنا...؟     

 

أجابا سوية:

-نري نارين المزرعة وأشجار الفاكهة... إنها هنا برفقة هناء !!؟.

 

اضطرب زاهر قليلا لسماع هذا النبأ وهم بالخروج لو لم يستدعيه ضميره للتريث... وتساءل: (لما هذا التوتر والخوف... منذ قليل لم تعر هذه الفتاة أي اهتمام... لماذا أنت هكذا خائف من التعرف إليها ومواجهتها...؟ ... لماذا لا تتصرف كما كنت تتصرف مع الجميع بمنتهى الهدوء والثقة بالنفس، هل يا ترى أصابت مرمى من قلبك دونما تدري... وهكذا بسهولة.... لا...لا تكن سهلا... لا... لا أنا لست سهلا لكي أقع بغرام فتاة لم تكن حتى موجودة منذ قليل... ولكن ما يغيظني أنها لم تهتم لأمري... إنني شديد الثقة بأنني أثير الاهتمام... لم هي لا.... لابد أن استطلع الأمر لاقف على الحقيقة... لا... وان هي تحاشتك ولم تظهر أي من المودة لك... ماذا سيحل بكبريائك... ماذا ستصبح بنظر اهلك... مسخرة... لا... يجب أن تدع الأمور تجري هكذا من نفسها... دعهم يأتون إليك... دعهم يتملقونك... حافظ على هدوئك وكبريائك ولاتكن سهلا... ووضيعا هكذا...)

ثم استطرد متسائلا: (ولكن ما علاقة الكبرياء ؟!... أنها ضيفتي... وهي برفقة ابنة أختي لما لا أتصرف كمن لا يعلم شيئا وأرافقهم للتعرف على المزرعة كما كنت افعل مع الجميع... لا... هي ليست كالجميع... هي تثير الغيظ لأنها قد لا تهتم بأشجارك.... يبدو أنها حتى لا تشعر بوجود الأشجار... ألا تراها تتحدث مع هناء بأمور أخرى... بأحاديث النساء... يا لها من فارغة، الأحسن أن انصرف من هنا واترك الأمر كما هو على حاله، فانا لا أحب أن أتعرض للمهانة، خاصة إذا كانت تنتمي لفصيلة الجهلة التي تلوح بالموافقة على كل أمر اذكره دون اعتراض... لا... انتظر لماذا تتسرع هكذا بالحكم على الناس ؟... وماذا لو كانت حقا تهتم لك وتريد حقا التعرف إليك... وما انصرافها المفاجئ منذ قليل إلا لتخفي حرجها. ولم هي الآن هنا برفقة هناء... إن هي إلا محاولة للفت نظري ليتم التعارف بعيد عن الأنظار... لما هذا التردد... وهذا الخوف... وهذه الكبرياء.... كن طبيعيا واترك نفسك على هواها تتحدث... ألا تثق بنفسك ؟!... أنت الواثق دائما... الموهوب بالأحاديث الشيقة وبالكلام... هيا لن تخسر شيئا... هو مجرد تعارف لا أكثر!؟.)

ثم تابع متسائلا: ( وان تحول الأمر لأكثر من هذا... لا... لا أظن، فلا يوجد أي شيء مميز أو مثير بها !... إنها ككل الفتيات اللواتي التقي بهن في كل يوم، لاشيء يثير القلب لكي أخاف...! إذا لماذا أنا مضطرب هكذا ؟... ربما لأنني فقدت مهارتي بالمناورة وخرج عن سيطرتي حبي بأخذ المبادرة ففقدت بإهمالها لي بعضا من البريق الذي أحب أن أجد نفسي فيه... فهو عزائي...!...!؟.)

ثم ستتلى بشيء من الإصرار: (اخرج من هذه الحماقات وهذه الفلسفة التي لا طعم لها وانطلق باسما وهادئا كما أنت !.) 

 

    

 

وعلى هذا بدأ يلهي نفسه بمسح نظاراته فتسنى لنارين أن تخطف النظر نحوه لتتأمله وهو يقترب نحوهما فوجدته بعينيه الصغيرتين حنونا وخجولا على غير ما توقعت. ولم تستطع قراءة ما تبقى من وجهه لإعادته لنظاراته الملونة على عينيه وكأنه يخفي شيئا. وما إن وصل إليهم حتى أدى التحية وبادر سائلا هناء:

-هل أريتها المزرعة بالكامل... وهل أعجبتها الفاكهة على الأشجار!؟...

وقبل أن يستمع إلى الجواب وليزيد الألفة معها استطرد:

-أتعلمين كنت دائما أتمنى رؤية ثمار الفاكهة على الأشجار. وكنت أتساءل دائما وعندما أرى الفاكهة بالسوق كيف تكون هي عليها ولقد كنت سعيدا جدا أن أرى أشجاري تكبر كأطفالي... ثم تزهر... ثم تثمر... ومتعتي الكبرى أن أراها ها هنا على الشجرة ناضجة على أن أأكلها... هل تشاطرينني الرأي يا ترى ؟.

 

أجابت نارين ضاحكة:

-أنا يهمني أن أأكل الفاكهة التي أحبها من على الشجرة... من عند البائع... المهم إذا كنت أحبها فسألتهمها بغض النظر عن مصدرها !.

-تعليق ظريف وهل تذوقت التفاح من على الشجرة؟

-أنا أحبه اخضر. ولقد قطفت واحدة منذ قليل واكلتها...

وهي تضحك:

-ربما لم يتسنى لك أن تتأملها... يرحمها الله...!.

 

-هنيئا لك... أنت تشبهينني في ذلك أنا لا أأكل الفاكهة إلا من على الشجرة مباشرة. وما أود أن أأكله لا أتأمله... فالتأمل للتفاحة التي لا أستطيع أن أنالها... وغالبا ما تكون في أعلى الشجرة ولذلك فهي في مأمن عني...!.

-إذا هناك من يفلت من أسنانك !

-ولكن لن تفلت مما هو اشد وأبشع... خاصة عندما يكتمل نموها وتصبح ناضجة... وتكون فريسة سهلة للدبابير والحشرات... ومن ثم السقوط... ثم تابع وكأنه يلمز إلى شيء:

-فمن الأحسن لها أن تستمتع بلحظات شبابها الأول... بلمسات من يعشقها ويريدها !.

 

 

   

تدخلت هناء لتغير الموضوع قائلة:

-دعونا من حديث الفاكهة والأشجار ولنعرفكم على بعض أولا...

وهي تشير إلى خالها:

-زاهر... وهذه نارين...

-تشرفنا ... أهلا وسهلا... يبدو بأنك شديدة الفراسة وكلامك على لسانك...!.  

-أهلا... تخيلتك اكبر من هذا !... عندما حدثتني عنك هناء وقالت بأنك تبدو اقل من عمرك فقد أصابت أنت تبدو اقل عشر سنوات وتصرفاتك لا تدل على مركزك !.

-ما شاء الله يبدو انك تعرفين كل شيء عني ! ... الم تخبئ هناء إي شيء لي لكي أخبرك به !.

-لا خالي، لازال الكثير... فأنا لم اخبرها إلا بما اعرفه... ومالا اعرفه كثير... كثيرا جدا على ما أظن...!؟.

-لا يهم... طالما أخباري تعجبك وهي بيد أمينة... اسمعي...

وهو يحاول أن يضع يده بمنتهى الرقة على كتف نارين التي حاولت التخلص منه بأدب وهي تقول مقاطعة حديثه:

-لا تحاول هذا مرة ثانية فنحن لسنا في أوروبا، نحن في حمص ولنا عاداتنا وتقاليدنا وأنا لست أوروبية...!!!؟.

 

زاهر وقد بدت عليه المفاجئة:

-أنا متأسف جدا لم اقصد الإساءة... بل كنت أحاول أن ابعد الأغصان القاسية حتى لا تؤذيك!... وفعلت هذا خوفا عليك لا أكثر !...

ثم تابع وكأنه لا يريد أن يسمع جوابها وبمنتهى الثقة:

-في الحقيقة يبدو لي بأنك فتاة طيبة ولك جاذبية خاصة لم أتعرف إليها قبل أن أتحدث إليك.... وأنا وكما تعرفين... وربما قد أخبرتك هناء ابحث عن زوجة !!!.

 

ساد صمت مفاجئ قبل أن يتم حديثة قائلا:

-هل يهمك أن اطلب يدك... إذا كان الموضوع يهمك فلنجلس ونتحدث بالتفاصيل !.

 

وما إن انتهى من كلامه حتى كانت نارين في وضع لا يحسد عليه، فلقد تفاجئت به يحدثها مباشرة وبصراحة بطلبه. وقد كانت تتوقع أن تطول أحاديث اللمز والغمز وتبادل الآراء قبل أن يصل إلى هكذا طلب. ومفاجئتها تلك لم تأتي من كونها لا تتوقعه ولكن ليس بهذه الطريقة، فلقد افقدها الإثارة. وطعم الحب التي كانت تحلم أن تعيشه....؟. هكذا وبكلمة واحدة حول أحلامها يلقياه والتحدث إليه إلى جلسة عمل وتفاصيل وكانت تتمنى أن تتحدث إليه ويتحدث إليها بأي شيء إلا بالتفاصيل...؟؟؟. ( لما هو هكذا على عجلة...؟)

تساءلت نارين ثم استلت: (لا يهم فهو يعجبني أولا وثانيا أنا أحب الدخول بالتفاصيل لأطمئن عن وضعي ومستقبلي معه... ومن ثم يأتي الحب وتأتي المغامرة، فأمامنا الحياة كلها... لما لا إلى التفاصيل هيا....؟.)

خاطبت نفسها وقد اطمأنت نوعا ما لما أعطاها إياه عقلها من تفسير مريح لما وجدت نفسها فيه من إرباك...؟... فأجابت بعد أن تاهت ردها من الوقت مع نفسها تستشيرها:

-في الحقيقة لقد تفا جئت بذلك، رغم معرفتي بأنك تبحث عن فتاة للزواج ؟... ولكني لم أتوقع أن أكون المطلوب ولم أكن اعرف بان زيارتي للمزرعة ستتحول إلى طلب زواج... هذه خدعة من هناء...؟.

 

   

 

 

لم تجب هناء على تعليق نارين لأنها تعرف الحقيقة وهي غير ما تقول.

 

نارين متابعة:

-ولكن هذا فخر لي ولو إن القرار بيدي لما تأخرت ولكن هذا الأمر يعود لوالدي وعليك أن تفاتحهم بالأمر إن أردت...؟.

-ما يهمني رأيك أولا، ثانيا أريد أن اعرف هل تتعارض رغبتك مع رغبة والديك، أم هم يوافقون على ما تختارينه...؟.

-طبعا الرأي لي أولا... ولكن ولدي لهم رأيهم أيضا... وهم يوافقون إذا ما كنت راضية ولكن إن لم يرضوا فلا أستطيع أن اعترض على قرارهم فنحن في سوريا وليس في أوروبا....؟

-دعونا نجلس هاهنا قليلا.

 

وقد وصلوا إلى مقعد للراحة قريب من حوض السمك.

 

زاهر تفضلوا ثم تابع:

-أنا سأعرفك بنفسي باختصار وارجوا ألا تقاطعينني... ثم سأنتقل لكي انقل لك رغباتي التي أريدها في زوجتي وقبل أن اسمع جوابك أريدك أن تفكري جيدا وأنا لا أحب أن اسمعه مباشرة... أمامك أسبوع... فان وافقت واهلك عليه فلا عودة عنه وان لم توافقوا فكل في حال سبيله... وارجوا المعذرة لأنني مستعجل قليلا في إتمام زواجي قبل السفر أمامي شهر تقريبا ولهذا ارجوا أن تتبعينني بكل اهتمام... ولا تعتبري كلامي انتقاصا لك، فانا إن اتفقنا إن شاء الله رجل وفي إلى ابعد الحدود وحبي للتي سأقترن بها مضمون... وإسعادها سيكون شغلي الأول والأخير... ولهذا أنا هكذا مباشر وأحب أن انتقل إلى التفاصيل !.

 

هناء متدخلة:

-يعني خالي بأنه يحب الصراحة والصدق ولا يحب الثرثرة في أمور ناقشها سابقا.

 

نارين وقد شعرت ببعض العجز في فهم ما تحب أن تفهمه:

-ولكن أسبوع ؟ أليس بالمدة القصيرة لكي نتخذ هكذا قرار ؟.

 

-اسمعي نارين، أولا أنا شاب كما عرفت من هناء لدي ولدين، هم أغلى ما لدي. وان أنا تركت سويسرا وجئت إلى حمص معهم فانا أولا وأخيرا لكي احميهم وأحسن تربيتهم... وان أنا ابحث عن امرأة فانا لا ابحث عنها لذاتها. بل ابحث من خلالها عن صديقة وعشيقة وزوجة وأم... وعلى هذا فانا لا أحب المرأة التي تهتم بالمظاهر ويشغلها الناس وزياراتهم...؟.

 

نارين مقاطعة:

-انك تشبهني في هذا، فانا لا أحب قصص النسوان ولا أحب التصنع...!.

 

زاهر متابعا:

-وأنا إن أحببت الخروج فأحب الخروج برفقة زوجتي وعائلتي فلا سهرات للعازيين عندي ولا أصدقاء للعب الورق والثرثرة بحكايات الناس والمجون.

 

نارين مقاطعة للمرة الثانية:

-تشبهني في هذا أنا أحب أن أرافق زوجي في زيارات عائلية ولا أحب زيارات النسوان.

 

زاهر متابعا:

-وكذلك في السفر والتنزه أحب أن ترافقني عائلتي فاصنع بوجودهم قربي ذكرياتي.

 

نارين مقاطعة مرة أخرى:

-أنت تشبهني تماما فيما أحب واشعر وكأنك تتحدث بلساني وتعبر عن مشاعري...!.

 

   

زاهر وكأنه لم يسمعها:

-أحب البساطة، التواضع، أحب أهلي، ووفي لأصدقائي... لا أحب الخداع والكذب.. ولا أحب المرأة الضجرة التي تهتم لكلام الناس وقصص النسوان ومشاكلهم... والخطوط الحمراء عندي والتي لا أحب أن تتجاوزها زوجتي هما خطان: الأول هو الأولاد والثاني هو الشرف وبتجاوزهما لا تسامح ولا غفران....؟... وبالنقاش معي تحصلين على كل شيء وبالعناد والتذمر لا تحصلين إلا على الإهمال... لا تقاطعينني أرجوك... لأنني في النهاية فانا ابحث عن الزوجة الصديقة والشريكة وست البيت ومقابل دورها هذا فانا لن أتخلف عن إسعادها بكل الوسائل....!!!.

 

نارين وقد تنفست الصعداء:

-أنا لا اعرف بما أجيب أنا اشعر بحديثك رغم صراحته البليغة بالكثير من الارتياح، بل لقد اطمأننت كثيرا وشعرت بأمان لم اشعر به في حياتي من قبل وكنت خائفة أن تكون ككل شباب هذا البلد، تحب الخروج لوحدك لتتركني وحدي بالبيت أو تحب أن تتزوج لبيتك وأطفالك فقط... كما يفعل الجميع دون اهتمام بزوجاتهم وبمشاعرهم....أنت في الحقيقة قرأت ما في نفسي واشعر وكأنني أعرفك منذ زمن بعيد... أنت خاطبت كل ما أحب في نفسي وكل ما أتمنى... ولا اشعر وأنت تحدثني بان شابا يحدثني لأول مرة... أنا لا اعرف كيف اعبر لك...! لقد أشعرتني بالألفة ولا اشعر بنفسي غريبة عنك أو معك...؟.

 

وقبل أن تنهي كلامها تابع:

-إذا ما من مشكلة اتفقي واهلك وحددوا يوما نزوركم فيه للتعرف على والدك لكي أطلبك رسميا منه وارجوا ألا يتأخر جوابكم.

-أنت مستعجل دائما على ما يبدو...

وهي تضحك تابعت:

-وأنا أيضا لا أحب المماطلة

 

زاهر وقد هم بمغادرتهم:

-ارجوا أن تكوني قد استمتعت وأختك بوقتكم هنا... كما ارجوا إلا أكون قد أزعجتك... أتركك بخير.

 

ثم تابع ساخرا وهو يتجه ثانية إلى داخل المزرعة:

-انظروا الجميع هادئ وصامت هناك، أنهم ينتظرون النهاية بصبر، فليفرحوا إذا بلقائنا إن كان هذا ي